الشيخ محمد هادي معرفة
243
التفسير الأثرى الجامع
استعارة الكلمة ووضعها مكان نظيرها ، كما قال أبو ذؤيب الهذلي « 1 » : فليس كعهد الدار يا أمّ مالك * ولكن أحاطت بالرقاب السلاسل « 2 » وعاد الفتى كالكهل ليس بقائل * سوى الحق شيئا واستراح العواذل يعني بقوله : « أحاطت بالرقاب السلاسل » ؛ أنّ الإسلام صار في منعه إيّانا ما كنّا نأتيه في الجاهليّة ممّا حرّمه اللّه علينا في الإسلام بمنزلة السلاسل المحيطة برقابنا التي تحول بين من كانت في رقبته مع الغلّ الذي في يده وبين ما حاول أن يتناوله . ونظائر ذلك في كلام العرب أكثر من أن تحصى ، فكذلك قوله : ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ يعني بذلك أنّكم تركتم العمل بما أخذنا ميثاقكم وعهودكم على العمل به بجدّ واجتهاد بعد إعطائكم ربّكم المواثيق على العمل به والقيام بما أمركم به في كتابكم فنبذتموه وراء ظهوركم . وكنى بقوله جلّ ذكره : « ذلك » عن جميع ما قبله في الآية المتقدمة ، أعني قوله : وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ . وقال في تأويل قوله تعالى : فَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ : يعني بقوله جلّ ذكره : فَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ فولا أنّ اللّه تفضّل عليكم بالتوبة بعد نكثكم الميثاق الذي واثقتموه ، إذ رفع فوقكم الطور ، بأنّكم تجتهدون في طاعته ، وأداء فرائضه ، والقيام بما أمركم به ، والانتهاء عمّا نهاكم عنه في الكتاب الذي آتاكم ، فأنعم عليكم بالإسلام ورحمته التي رحمكم بها ، وتجاوز عنكم خطيئتكم التي ركبتموها بمراجعتكم طاعة ربّكم ، لكنتم من الخاسرين . وهذا وإن كان خطابا لمن كان بين ظهرانيّ مهاجر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من أهل الكتاب أيّام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فإنّما هو خبر عن أسلافهم ، فأخرج الخبر مخرج المخبر عنهم على نحو ما قد بيّنّا فيما مضى من أنّ القبيلة من العرب تخاطب القبيلة عند الفخار أو غيره بما مضى من فعل أسلاف المخاطب بأسلاف المخاطب ، فتضيف فعل أسلاف المخاطب إلى نفسها ، فتقول : فعلنا بكم ، وفعلنا بكم . وقد زعم بعضهم أنّ الخطاب في هذه الآيات إنّما أخرج بإضافة الفعل إلى المخاطبين به
--> ( 1 ) كذا في الأصل . والصواب أنّ البيتين لأبي خراش الهذلي كما في ديوان الهذليين والأغاني والسيرة لابن هشام وغيرها من الكتب . ( 2 ) يعني بالدار : مكّة وما يجاورها .